ماهية القانون الدستوري

تعريغه ، ومصادرة ، وطرق تعديله ، وكيفية إنهاؤه ، والقيمة القانونية للمقدمة الدستورية

تعريف القانون الدستوري: القانون الدستوري فرع من القانون العام، والقانون العام هو قانون الدولة، سواء تعلق الأمر بعلاقات الدولة مع دول أخرى، أو يتعلق بعلاقات الدولة مع المحكومين.

المفهوم اللغوي للقانون الدستوري

كلمة “دستور” فارسية الأصل، ولها عدة معان منها: “الإناء الكبير” لأنه جامع يؤخذ منه وقت الحاجة، ومنها “الوزير” لأنه أساس من أسس الحكم، ومنها أيضًا “الدفتر” الذي تجمع فيه قوانين الملك وضوابطه، أو تكتب فيه أسماء الجند ومرتباتهم، وتطلق هذه الكلمة أيضًا علي الأساس أو الأصل، وكذلك علي الترخيص أو الإذن.
وقد دخلت هذه الكلمة اللغة العربية بعد اتصال العرب بالفرس بعد الفتح الإسلامي، غير أنها لم تنتشر في مصر إلا منذ دستور 1923 وقبل هذا التاريخ كان الشائع استعمال لفظ “القانون النظامي” أو “القانون الأساسي” أو “نظام السلطات العمومية” وفي اللغة الفرنسية، نجد أن كلمة constitution والتي تقابل كلمة دستور، تعني التأسيس أو التكوين أو الإنشاء أو البناء أو التنظيم.

المفهوم التاريخي للقانون الدستوري

في فرنسا أنشئ كرسي القانون الدستوري في سنة 1834علي يد “جيزو” الذي كان وزير للتعليم في عهد حكومة الملك لويس فيليب، فكان أول كرسي للقانون الدستوري في كلية الحقوق بجامعة باريس.
غير أن اصطلاح “القانون الدستوري” لم يستقر نهائيًا في ذلك الوقت، فقد عدل عنه مع قيام إمبراطورية لويس نابليون سنة 1852، ثم عاد للظهور مرة أخرى مع قيام الجمهورية الثالثة سنة 1875 واستقر منذ ذلك التاريخ اصطلاح القانون الدستوري في فرنسا.

وقد ارتبط مدلول القانون الدستوري زمنًا طويلًا في فرنسا بأفكار “جيزو” وبالأهداف التي كان قد استهدفها بإنشائه لكرسي القانون الدستوري في كلية الحقوق، فنظرًا لأن جيزو كان من أعوان الملك لويس فيليب، ومن أول المؤيدين لسياسته والعاملين علي تأييد حكمه، فكان يهدف بإنشائه لكرسي القانون الدستوري بجامعة باريس سنة 1834، إلي شرح وتفسير الوثيقة الدستورية التي اعتلى الملك لويس فيليب مقاليد السلطة وحكم فرنسا علي أساسها، وذلك كله حتى يكسب ود الرأي العام إلي جانب النظام الدستوري الجديد الذي يتضمنه دستور 1830 والذي يقوم علي النظام الملكي النيابي الحر، وهكذا ربط جيزو بين النظام الدستوري الجديد وبين دستور فرنسا الصادر سنة 1830 حتى أصبحت الدراسة تدور في فلك ذلك الدستور.

وهكذا يعرف القانون الدستوري طبقًا لهذا المفهوم التاريخي: بأنه مجموعة القواعد القانونية التي تحدد السلطات العامة وتبين حقوق الأفراد في ظل نظام نيابي حر.

المفهوم الشكلي للقانون الدستوري

هذا المفهوم الشكلي كان نتيجة لحركة تدوين الدساتير التي بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية في سنة 1787 ثم انتشرت منها إلي فرنسا التي حملتها إلي معظم دول العالم طوال القرنين التاسع عشر والعشرين بحيث يمكن القول بأنه يقوم علي الربط بين فكرة الدستور المكتوب والقانون الدستوري.
وبالتالي يعرف القانون الدستوري وفقًا لهذا المفهوم: مجموعة القواعد القانونية الأساسية التي توجد في الوثيقة المسماه بالدستور، وهكذا فالمفهوم الشكلي يربط بين تعريف القانون الدستوري وأحد مصادره وهو الوثيقة المكتوبة المسماه بالدستور والتي تضعها هيئة خاصة يختلف تكوينها باختلاف الدساتير وتتبع في وضعها وتعديلها إجراءات خاصة تختلف عن إجراءات القانون العادي.
وتبعًا لذلك تصبح دراسة القانون الدستوري محصورة في شرح وتفسير نصوص وضعية مدونة في وثيقة رسمية تسمى الدستور.

المفهوم الموضوعي للقانون الدستوري
يتمثل في مجموعة القواعد التي تعتبر دستورية بطبيعتها حتى ولو لم ترد في الوثيقة الدستورية ذاتها أي حتى ولو وردت في نصوص قانونية عادية أو في عرف دستوري. أي يمكن القول بأن المفهوم الموضوعي لا يفرق أنصاره بين قاعدة دستورية وقاعدة أخرى حسب مصدرها وإنما ينظر إليها بمعيار واحد ويعتبرها دستورية من عدمه إذا ارتبطت أو تعلقت بموضوع من موضوعات القانون الدستوري حسب مضمونها وجوهرها.

مصادر القانون الدستوري

القانون الدستوري شأنه شأن بقية فروع القانون الأخرى له مصادر يستقى منها أحكامه وهي:

المصدر التاريخي: ويراد به الأصل التاريخي الذي أخذ منه القانون الدستوري أحكامه، فيقال مثلًا إن القانون الروماني هو المصدر التاريخي للقانون الفرنسي.
المصدر الموضوعي: ويتمثل في الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية التي تسود المجتمع.
المصدر الرسمي: وهو المصدر الذي يعطي القوة الإلزامية للقاعدة القانونية، وهو الذي يتعين الرجوع إليه من جانب القاضي لاستخلاص تلك القواعد ولذلك يطلق علي القواعد الرسمية أحيانًا المصادر الآمرة أو المصادر الإلزامية مثل التشريع والعرف.
المصدر التفسيري: هو المرجع الذي يوضح غامض القانون ويفسر أحكامه، ويعتبر الفقه والقضاء مصدرين تفسيريين للقانون الدستوري.

أولًا: المصادر الرسمية للقانون الدستوري في بلاد الدساتير المكتوبة

تعتبر الوثيقة الدستورية المصدر الأساسي والهام من مصادر القانون الدستوري في بلاد الدساتير المكتوبة، هذه الوثيقة غالبًا ما تكون واحدة واستثناء قد تكون متعددة، مثل دستور الجمهورية الثالثة في فرنسا. وقد درج الفقه في فرنسا ومصر علي تقسيم هذه الوثائق إلي أنواع وهي:-


وثائق مطولة: (ويطلق عليها الدساتير ذات الطابع الأمريكي) وتتميز بالطول وعدم الدقة في الترتيب حيث تتناول بالتنظيم موضوعات تترك عادة للمشرع العادي وذلك لعدم الثقة في هذا المشرع، ووثائق مختصرة: (ويطلق عليها الدساتير ذات الطابع الأوروبي) وتتميز بالمنطق في الترتيب وبالقصر عمومًا، لأنها لا تتضمن إلا النص علي التنظيم السياسي للدولة، وباقي الموضوعات فتترك للقوانين الأساسية والقوانين العادية واللوائح.


وثائق مؤقتة: ويقصد بالدستور المؤقت ذلك الذي يوضع لفترة مؤقتة ولمواجهة مرحلة معينة، مثل الدستور المؤقت للجمهورية العربية المتحدة الصادر سنة 1964. ووثائق دائمة: ويقصد بالدستور الدائم ذلك الذي يوضع لتنظيم الدولة إلي أن تظهر الحاجة إلي تعديله ليتطابق ويتلاءم مع التغييرات التي تطرأ علي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية أو ينتهي جميعه لعدم كفاية التعديل لتحقيق هذا التطابق والتلاؤم، مثل دستور جمهورية مصر العربية الصادر سنة 1971.


الدساتير المرنة: الدستور المرن هو ذلك الدستور الذي يمكن تعديله، أي تغيير بعض قواعده بذات الإجراءات التي تعدل بها القوانين العادية، وإذا كان النموذج الأمثل للدستور المرن هو الدستور العرفي الذي تستمد قواعده كلها أو معظمها عن طريق العرف والسوابق التاريخية مثل الدستور الانجليزي، فإن الدساتير المكتوبة أو المدونة ليست كلها جامدة، فمن الممكن أن يوجد دستور مدون أي غير عرفي ويكون مرنًا في ذات الوقت طالما لم ينص فيه علي تعديله بإجراءات خاصة تختلف عن إجراءات وضع أو تعديل القوانين العادية.

الدستور الجامد: هو الذي لا يمكن تعديله بالإجراءات العادية لتعديل القانون العادي، إنما يلزم لتعديله إتباع إجراءات وشروط أكثر شدة وأكثر صعوبة من إجراءات تعديل القانون العادي.مقدمات الدساتير. ويراد بها تلك التي تتصدر الدساتير عادة، بعيدة عن المواد التي تتضمنها هذه الدساتير وتشير عمومًا إلي أبرز معالم المجتمع ومبادئه وقيمه ومعتقداته.


إعلانات الحقوق: في أعقاب قيام نظام جديد مختلف عن سابقه في الأصول والمبادئ، يعمل القائمون علي هذا النظام علي تسجيل لأسس مجتمع جديد ولما يجب أن يسود فيه من مبادئ وقيم، ويتم هذا التسجيل في وثيقة يطلق عليها إعلان حقوق، وبموجب هذا للإعلان المسجل في الوثيقة يستطيع كل فرد حاكمًا كان أو محكومًا أن يتعرف علي فلسفة هذا النظام الجديد وما يتضمنه من مبادئ وماله من حقوق وما عليه من واجبات وذلك كله بهدف سيادة الثقة بين الفرد والجماعة.


القوانين الأساسية.

إلي جانب الوثيقة الدستورية في دول الدساتير المكتوبة يوجد مصدر آخر يتمتع بنفس الأهمية للتشريع الدستوري وهو ما يعرف اصطلاحها بالقوانين الأساسية، بوصفها قوانين صادرة عن السلطة التشريعية في الدولة بشأن مسائل دستورية بطبيعتها أو في جوهرها لأنها تتعلق بكيفية ممارسة السلطة الحكومية في الدولة سواء ببيان كيفية تشكيل السلطات العامة في الدولة أو باختصاصاتها.
وهذه القوانين الأساسية قد تصدر بناء علي تكليف من المشرع الدستوري للسلطة التشريعية ببيان كيفية التشكيل والاختصاصات أو تقوم بها السلطة التشريعية من تلقاء نفسها.

العرف الدستوري
العرف الدستوري كمصدر من مصادر القانون الدستوري في بلاد الدساتير المكتوبة يفترض وجود وثيقة دستورية مكتوبة، هذه الوثيقة تحدد أساسًا معالم النظام الدستوري في دولة ما ويأتي العرف كمصدر إضافي لكي يرسي قواعد عرفية دستورية.
فبالرغم من انتشار حركة تدوين القواعد الدستورية، فلا يزال العرف يلعب دورًا هامًا في تكوين البناء الدستوري في الدول الحديثة إلي جانب هذه الوثيقة الدستورية فالنظام الدستوري في بلاد الدساتير المكتوبة كما يستمد قواعده من النصوص الدستورية المكتوبة أساسًا، فإنه يقوم أيضًا علي القواعد العرفية التي تتكون بالعادة والتكرار في شأن من الشئون المتصلة بنظام الحكم في الدولة أو بكيفية تشكيل سلطاتها العامة ووسائل ممارستها لاختصاصاتها.
فالعرف يلعب دورًا سواء في بلاد الدساتير المكتوبة أو في بلاد الدساتير العرفية، وإن كانت أهميته تتفاوت في هذه الدول أو تلك فأهمية العرف تقل في بلاد الدساتير المكتوبة بينما في بلاد الدساتير العرفية تعتمد علي العرف في تحديد القواعد الدستورية المختلفة.

أركان العرف الدستوري:-
بداية يجب القول بأن المجال الطبيعي للعرف الدستوري في ميدان القانون الدستوري بوصفه فرعًا من فروع القانون العام، هذا المجال لا يتعلق بمعاملات الأفراد الخاصة وإنما بمسائل متصلة بنظام الحكم. ويمكن تعريف العرف الدستور بأنه: عادة درجت إحدى السلطات أو الهيئات الحاكمة علي إتباعها في مسألة تتصل بنظام الحكم بموافقة (أو علي الأقل دون معارضة) غيرها من السلطات والهيئات الحاكمة، وأن يتحقق الشعور لدى هذه الهيئات الحاكمة ولدى الجماعة بأن تلك العادة ملزمة وواجبة الاحترام. وبناءً علي ذلك فإن للعرف ركنان ركن مادي وركن معنوي:

1-الركن المادي:

ويتمثل الركن المادي في اعتياد إحدى الهيئات الحاكمة التصرف علي نحو معين في مسألة دستورية، ويقصد بالهيئات الحاكمة التي تتبع سلوكًا متكررًا والتي تنطبق عليها القاعدة العرفية: البرلمان أو رئيس الدولة أو الوزراء.
ويشترط لاعتبار التصرف عرفًا دستوريًا أن تتوافر فيه الخصائص الآتية:-
1-أن يكون السلوك أو التصرف متكررًا، فالعادة لا تنشأ من مجرد تصرف واحد أو واقعة واحدة وإنما التكرار هو الذي يؤدي إلي نشأة القاعدة العرفية وذلك لأنه يعد دليلًا علي وجود عناصر الرضا والقبول لدى الجماعة ولدى الهيئات الحاكمة الأخرى.
ويرى البعض أنه يكفي حدوث التكرار مرة واحدة، بمعنى أن يحدث العمل المادي مرتين علي الأقل وبدون ذلك لا يمكن القول بأن هناك عادة.
2-يجب أن يكون التصرف عامًا، ويقصد بالعمومية هنا أن يلقى التصرف قبولًا وموافقة من الهيئات الحاكمة الأخرى (غير الهيئة الحاكمة التي قامت بالتصرف)، وكذلك عدم مقاومة من الأفراد في الحالات التي تتعلق بحقوق الأفراد وحرياتهم.
3-يجب أن تكون العادة ثابتة ومضطردة، وهذا ينتج من التزام الهيئات الحاكمة باحترامها والعمل بمقتضاها، وبالتالي فإن الخروج علي السلوك المتكرر في بعض الحالات يؤدي إلي عدم تكون الركن المادي إلا إذا تم النص علي الإبقاء علي السلوك المتكرر السابق بنص مكتوب.
4-ويلزم أخيرًا في العادة المكونة للعرف أن تكون علي قدر من الوضوح والتحديد بما ينفى الجهالة في شأنها ويمنع من وقوع الاضطراب أو الخلط في تفسير مضمونها.

2-الركن المعنوي:

لا يكفي لقيام العرف الدستوري توافر الركن المادي وحده بل يلزم بالإضافة إلي ذلك توافر الركن المعنوي بمعنى قيام العقيدة في إلزام العادة وفي أنها واجبة الإتباع باعتبارها قاعدة قانونية لها ما لسائر القواعد القانونية من احترام.
ويذهب البعض إلي ضرورة توافر هذا الاعتقاد لدى الهيئات الحاكمة التي قامت بالتصرف إلي جانب ضرورة توافر الاعتقاد في القوة الملزمة للعادة لدى الرأي العام أيضًا أو علي الأقل يتخذ الرأي العام علي الأقل موقفًا سلبيًا يتمثل في عدم اعتراض أفراد الشعب علي هذا التصرف.
ومع تسليمنا بهذا الرأي إلا أننا نضيف إليه القول بضرورة عدم اعتراض باقي الهيئات الحاكمة الأخرى علي هذا السلوك الصادر من إحداها حتى يتكون الركن المعنوي.


أنواع العرف الدستوري:- العرف الدستوري يأخذ ثلاث صور تبعًا لموقفه تجاه نصوص الدستور المكتوب، وهذه الأنواع هي:-
1-العرف المفسر: وهو الذي يقتصر دوره أو أثره على مجرد تفسير نص غامض أو مبهم من نصوص الدستور، ولذلك فإن العرف المفسر يلحق بالنص الدستوري ويأخذ حكمه وقيمته الدستورية.
2- العرف المكمل: ويقصد بالعرف الدستوري المكمل ذلك العرف التي يقوم بتنظيم مسألة دستورية سكت عنها الدستور المكتوب، فالعرف المكمل يعالج ويسد نقصًا أو قصورًا في الدستور المكتوب بخصوص مسألة ما، وهكذا يتضح أن العرف المكمل على حلاف العرف المفسر، ينشئ حكمًا جديدًا لأنه (أي العرف المكمل) يظهر لعلاج مشكلة لم يعالجها المشرع الدستوري أو لسد نقص في الأحكام المكتوبة.
وقد اختلف الفقه في تحديد القيمة القانونية للعرف الدستوري المكمل:-
فالأغلبية تذهب إلي تقرير مشروعية العرف المكمل، وأن تكون له ذات القوة القانونية للنصوص الدستورية التي جاء ليكملها، وذلك على اعتبار أن العرف المكمل يفسر سكوت المشرع الدستوري، وفي نفس الوقت لا يخالف الدستور المكتوب.
والقلة من الفقه ترى عدم الاعتراف بأية قيمة قانونية للعرف المكمل، حيث تعتبره من قبيل العرف المعدل بالإضافة للدستور المكتوب، وهذا التعديل بهذه الصورة لا يجوز بصدد دستور مكتوب وجامد، فهذا التعديل لا يتم إلا وفقًا لإجراءات وشروط خاصة ينص عليها الدستور نفسه، والجدير بالذكر أن الفقه المصري الغالب يعتنق الرأي الأول.
3-العرف المعدل: هو ذلك العرف الذي يعدل حكمًا من أحكام الدستور المكتوب، فهذا العرف المعدل يخالف نصًا من نصوص الدستور لأن التعديل يتضمن بالضرورة معنى مخالفة النص، والعرف الدستوري المعدل له صورتان وهما:-
الصورة الأولى:- العرف المعدل بالإضافة:- وهو الذي يضيف حكمًا جديدًا أو قاعدة جديدة إلى النصوص الدستورية القائمة، وبمقارنته بالعرف المكمل نجده يتشابه معه في كونه يضيف حكمًا جديدًا أو قاعدة جديدة لنصوص الدستور القائمة، ولكن يختلف العرف المعدل بالإضافة عن العرف المكمل في أن هذا الأخير يفترض سكوت المشرع الدستوري عن تنظيم مسألة معينة، فيأتي لكي يسد ويكمل النقص ويضع التنظيم المناسب.
أما العرف المعدل بالإضافة فالفرض فيه أن الدستور قد أورد تنظيم محدد لمسألة معينة، ثم يأتي العرف المعدل بالإضافة ليضيف لهذا التنظيم الدستوري أحكامًا من شأنها تعديل هذا التنظيم.
الصورة الثانية:- العرف المعدل بالحذف:- ويتواجد هذا النوع من العرف حين يهدف إلي إسقاط حق من الحقوق التي يقررها الدستور لهيئة من الهيئات وبتعبير آخر إذا أورد الدستور حكمًا دستوريًا ولكن جرى العمل علي إهمال تطبيقه عن طريق عدم استعماله.
أما بالنسبة شرعية العرف المعدل للدستور المكتوب وقوته الدستورية فإنها محل جدل كبير لدى الفقهاء، وسبب هذا الجدل أن العرف المعدل يعدل نصًا دستوريًا مكتوبًا وجامدًا، وهذا النوع من العرف يخالف النص الدستوري، وهذا هو الخطير لأن النص الدستوري يوجد علي قمة التشريعات في الدولة.

ثانيًا: المصادر الرسمية للقانون الدستوري في بلاد الدساتير العرفية:
إن مصادر القانون الدستوري في البلاد ذات الدساتير العرفية تنحصر في مصدر أصلي ومصدر تكميلي وهما:
مصدر أصلي: يتمثل في مصدر تكميلي: يتمثل في
القواعد العرفية . : القواعد المدونة في وثائق دستورية.

طرق وضع الدساتير.
درج الفقه إلي تقسيم الطرق التي يمكن أن تنشأ بها الوثائق المكتوبة إلي قسمين أساسيين:
الطرق غير الديمقراطية في وضع الطرق الديمقراطية في وضع الدساتير الوثيقة الدستورية:
1-أسلوب المنحة
2-أسلوب الجمعية النيابية التأسيسية
3-أسلوب العقد
4-أسلوب الاستفتاء الدستوري

أولًا: الطرق غير الديمقراطية في وضع الوثيقة الدستورية:-

1-أسلوب المنحة: يكون الدستور قد صدر في شكل منحة إذا استقل الحاكم بوضعه، فتنازل بوصفه صاحب السيادة عن بعض سلطاته للشعب ويعتبر الدستور في هذه الحالة منحة ملكية وتنازلًا من جانب الحاكم عن بعض حقوق السيادة التي يملكها، فالدستور طبقًا لهذا الأسلوب يصدر قانونًا كتعبير عن إرادة واحدة فقط هي إرادة الحاكم دون مشاركة من جانب الشعب.
وقد يكون منح الدستور من جانب الحاكم تلقائيًا أي بمحض إرادته(وهذا من الناحية النظرية)، وقد يكون تحت ضغط وإكراه من جانب الشعب(وهذا ما يحدث عملًا وفي أغلب الحالات)، ولذلك فالدستور الذي يصدر في شكل منحة ليس إلا نتيجة مشاركة شعبية من الناحية الواقعية في وضع الدستور، وقلما يقدم لنا التاريخ شاهدًا لحاكم فرد تحول بإرادته المختارة الحرة إلي حاكم مقيد.
2-أسلوب العقد: يكون الدستور قد صدر في شكل عقد إذا تم وضعه بالاتفاق بين الحاكم من جانب والشعب من جانب أخر، وبالتالي لا تنفرد إرادة الحاكم بوضع الدستور كما هو الحال في صدور الدستور في شكل منحة، ولا تنفرد إرادة الأمة وحدها بوضع الدستور كما يحدث في الأسلوب الديمقراطي، فوضع الدستور طبقًا لأسلوب العقد يتم باتفاق إرادتي الحاكم والشعب عن طريق ممثليه.
ويلاحظ أن الذي يتم عملًا بالنسبة لوضع الدستور بأسلوب العقد هو قيام ممثلي الشعب بوضع مشروع الدستور مع عرضه علي الحاكم لإقراره والموافقة عليه.
ثانيًا: الأساليب الديمقراطية في وضع الدساتير:-
1-أسلوب الجمعية النيابية التأسيسية: في ظل هذا الأسلوب يقوم الشعب وحده بانتخاب جمعية تنحصر مهمتها في وضع الوثيقة الدستورية بحيث تصبح هذه الوثيقة الدستورية نافذة بمجرد إتمام هذا الوضع دون حاجة إلي أي موافقة أو إقرار من جانب الحاكم، ودون حاجة لطرح هذه الوثيقة علي الشعب لاستفتائه عليها، انطلاقًا من أنه قد سبق للشعب -لكونه صاحب السيادة- أن عهد إلي هذه الجمعية بمهمة وضع هذه الوثيقة الدستورية.
وتنتمي طريقة وضع الدستور عن طريق الجمعية النيابية التأسيسية إلي صور الديمقراطية النيابية وليس الديمقراطية المباشرة فالدستور يتم بواسطة ممثلي الشعب وليس بواسطة الشعب مباشرة.
2-أسلوب الاستفتاء الدستوري: وهو يعتبر أكثر الأساليب ديمقراطية علي الإطلاق، فهو يعني أن الشعب يقوم بنفسه ومباشرة بالموافقة علي الدستور، فمشروع الدستور لا يكون نافذًا وملزمًا قانونًا إلا إذا وافق عليه الشعب مباشرة، فأسلوب الاستفتاء الدستوري هو تعبير عن الديمقراطية المباشرة حيث يحكم الشعب نفسه بنفسه مباشرة، وليس بطريق مباشر أي بواسطة مجلس نيابي ينوب عنه.
ومن الناحية العملية هناك طريقتان لتطبيق أسلوب الاستفتاء الدستوري كأسلوب لنشأة الدستور:-
الطريق الأول:(وهو الأكثر استخدامًا) وهو أن تنتخب جمعية نيابية تأسيسية يقتصر دورها علي إعداد مشروع الدستور وصياغته فقط أي ليس إقراره نهائيًا مثلما هو الحال في أسلوب الجمعية النيابية التأسيسية كأسلوب مستقل بدون استفتاء، فإقراره نهائيًا ليصبح ملزمًا ودستورًا نافذًا يشترط موافقة أغلبية الشعب في الاستفتاء.
الطريق الثاني: فهو أن يقوم بإعداد مشروع الدستور ليس جمعية منتخبة، بل مجرد لجنة حكومية فنية بمعنى لجنة تشكلها الحكومة وتشرف عليها، وتتمتع بصفة فنية أي أن أغلبية أعضائها من الخبراء القانونيين وفي الشئون الدستورية.

سمو النصوص الدستورية ، والرقابة علي دستورية القوانين.

سمو القاعدة الدستورية.

توصف القواعد الدستورية بأنها أعلى أو أسمى من حيث الموضوع والشكل، من جميع القواعد القانونية الأخرى عادية كانت أم لائحية، ومن هنا كانت تسمية علو أو سمو الدستور.
فأما السمو الموضوعي للدستور: يرجع إلي احتوائه موضوعيًا (أي من حيث الجوهر والمضمون) علي سند شرعية السلطات الحاكمة، واختصاصات هذه السلطات أي احتوائه علي الإطار القانوني العام الذي يحكم الدولة فضلًا عن احتوائه علي الفلسفة أو الأيدلوجية التي يرتكز عليها ذلك الإطار، أي أن السمو يتحقق للدستور كنتيجة طبيعية للموضوعات التي ينظمها والتي تتميز بخطورتها وأهميتها المطلقة في بناء الدولة. فالدستور من حيث موضوعه يبين نظام الحكم في الدولة وكذلك شكل الدولة كما يتضمن طبيعة الحكم وتكوين اختصاصات السلطة الحاكمة وعلاقاتها فيما بينها، وأخيرًا حقوق وحريات المواطنين والضمانات التي تكفلها، ولأنه ينظم هذه الموضوعات الكبرى فيجب أن تكون أعلى وأسمى القواعد القانونية علي الإطلاق.
أما السمو الشكلي للدستور: فيرجع إلي أنه قد وضع وفقًا لإجراءات وشكليات متميزة من حيث الشدة عن تلك التي تتبع بالنسبة لوضع وتعديل القوانين العادية، هذا بالإضافة إلي أنه قد وضع بواسطة هيئات أو سلطات أعلى شكليًا من السلطات والهيئات المعهود إليها بوضع القوانين واللوائح وهذا لا يتحقق إلا بالنسبة للدساتير المكتوبة الجامدة.
فالسمو الشكلي للدستور يعتبر مسألة نسبية، بمعني أن درجة السمو تتنوع بالضرورة بتنوع النظم الدستورية المطبقة، كذلك السمو الشكلي يتعلق بوضع الدستور وكذلك بتعديله، فالسمو الشكلي هذا لا يتحقق إلا بالنسبة للدساتير الجامدة.
الرقابة علي دستورية القوانين: إذا كانت الدساتير الجامدة تعلو أحكامها علي أحكام القوانين العادية، وبالتالي فلا يجوز لهذه الأخيرة أن تخالفها أو تعدلها، وللتأكد من ذلك كان هناك ما يسمى “برقابة دستورية القوانين”: ويقصد بالرقابة علي الدستورية بحث مدى مطابقة القانون من حيث الشكل والمضمون للدستور تمهيدًا لاتخاذ اللازم نحو كفالة احترام أحكامه في حالة المخالفة وذلك بالامتناع عن إصدار القانون إذا لم يكون قد صدر بعد، أو بإلغائه في حالة صدوره، وسواء قام بهذه المهمة هيئة ذات تكوين سياسي أو هيئة قضائية.
وهذه الرقابة علي دستورية القوانين تثير مشكلة حساسة، وهذه الحساسية تأتي من أن البرلمان الذي يسن القوانين، يمثل سيادة الأمة ويجمع ممثلي الشعب، فكيف يمكن مراقبته في القوانين الصادرة عنه؟
ولكن رغم ذلك انتهى الفقه الدستوري إلي ضرورة رقابة دستورية القوانين، وإلا فلا جدوى لمبدأ علو الدستور علي القوانين العادية الصادرة عن المجالس التشريعية وقد كانت المحاكم المصرية في الماضي تمتنع عن تطبيق القانون المخالف للدستور احترامًا منها للقاعدة القانونية الأعلى درجة إلي أن نشأ القضاء الدستوري وانفرد بمهمة الرقابة علي دستورية القوانين.
سمات الرقابة علي دستورية القوانين:-
1-لا تظهر رقابة دستورية القوانين، بوصفها ضمانة لاحترام أحكام الدستور، إلا في البلاد ذات الدساتير الجامدة، حينما يلزم لتعديل الدستور إجراءات خاصة تختلف عن الإجراءات اللازمة لتعديل القوانين العادية، وبالتالي فإذا كان الدستور مرنًا فلا يتصور الأخذ بالرقابة علي دستورية القوانين، وذلك لأن النصوص التي تتضمنها الوثيقة الدستورية تعد في ذات مرتبة نصوص القوانين العادية، فلا يستطيع القضاء أو أي جهة أخرى الامتناع عن تطبيق القانون مهما كان مضمونه مخالفًا لأحكام الدستور، إذ أن القانون الذي يخالف قاعدة دستورية سابقة يكون قد عدلها في نفس الوقت.
2-تزيد أهمية الرقابة علي دستورية القوانين العادية داخل الدول المعاصرة وذلك نظرًا لتزايد احتمالات أن تصدر في الوقت الحالي قوانين عادية مخالفة لأحكام الوثيقة الدستورية، ويرجع ذلك إلي تزايد نطاق التشريعات المختلفة بفضل التدخل الواسع أو الضيق للدولة في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والمهنية، وذلك عن طريق إصدار التشريعات العادية اللازمة أو تعديل التشريعات القديمة القائمة.
3-تزيد أهمية الرقابة علي دستورية القوانين العادية داخل “الدولة القانونية” وهي الدولة التي يتم فيها –في ظل سيادة القانون- الخضوع لأحكام القانون بوجه عام والخضوع لأحكام الدستور بوجه خاص من جانب جميع السلطات وهو الأمر الذي يتعين معه –كما يرى البعض- أن تقام كل الضمانات الكفيلة بصيانة القانون مما يوجب صدوره طبقًا للدستور.
وجدير بالذكر أن الجهة التي تتولى الرقابة علي دستورية القوانين في مصر هي المحكمة الدستورية العليا، وفي فرنسا يتولى المجلس الدستوري الفرنسي هذه المهمة.
والدول التي أخذت بنظام الرقابة القضائية لدستورية القوانين لم تتفق علي أسلوب واحد، بل تعددت الأساليب ويمكن رد هذه الأساليب إلي أسلوبين مختلفين من حيث الإجراءات والشكل والآثار:-
الأسلوب الأول:
الرقابة القضائية عن طريق الدعوى الأصلية .
وفي هذا الأسلوب يقوم المتضرر من القانون بالطعن فيه مباشرة ودون حاجة إلي أن ينتظر تطبيق القانون عليه، فهذا المتضرر يستطيع أن يبادر بالطعن في القانون طالبًا إلغاؤه من المحكمة المختصة والتي تستطيع إذا ما ظهر لها أن القانون المطعون فيه مخالف للدستور أن تلغيه إلغاء يسري علي الكافة وبأثر رجعي أو بالنسبة للمستقبل فقط كما يتضح من نصوص الدستور.
غير أنه نظرًا لخطورة هذا الأسلوب كما يتضح من نتائجه، فقد يبدو من غير المقبول والمعقول أن تترك هذه السلطات الخطيرة التي تملكها المحكمة المختصة بالرقابة علي الدستورية، في أيدي المحاكم العادية علي اختلاف درجاتها، بل علي العكس قد يكون منطقيًا أن يعهد بهذا الأسلوب في الرقابة إلي محكمة واحدة وهذا ما يسمى بفكرة “مركزية الرقابة” فلا تمارس جميع المحاكم في الدولة هذه الرقابة، وإنما تتركز في أيدي محكمة واحدة.
غير أن فكرة “مركزية الرقابة” يمكن أن تأخذ في التطبيق العملي صورتين:
الصورة الأولى: جعل الاختصاص للمحكمة العليا في النظام القضائي العادي(كمحكمة النقض مثلًا).
الصورة الثانية: جعل الاختصاص لمحكمة دستورية متخصصة أنشئت لهذا الغرض.
ويلاحظ أن الدول التي قررت الرقابة علي دستورية القوانين عن طريق الدعوى الأصلية لا تسمح عادة بأن يكون الطعن مفتوحًا لكل شخص عام أو خاص ولكل فرد حتى ولو لم يكن قد مسه القانون بأي ضرر، بل إن الكثير من الدول التي أنشأت محكمة دستورية خاصة لرقابة الدستورية قد قصرت حق الطعن أمامها علي بعض السلطات العامة، في حين أغلقت باب الطعن تمامًا في وجه الأفراد.
الأسلوب الثاني: الرقابة عن طريق الدفع بعدم دستورية القانون:
علي عكس أسلوب الرقابة علي دستورية القوانين عن طريق الدعوى الأصلية والذي يتبع عند وجود نص في الدستور ينظم هذه الدعوى ويحدد المحكمة المختصة بنظرها، فإن أسلوب الرقابة عن طريق الدفع يفترض سكوت الدستور وعدم وجود نص ينظم هذا الأسلوب.
بمعنى آخر إذا سكت المشرع الدستوري عن تنظيم الرقابة علي دستورية القوانين فإن هذا يعني عدم إمكانية إتباع أسلوب الرقابة عن طريق الدعوى الأصلية، ويعني من جانب آخر قبول أسلوب الرقابة عن طريق الدفع الفرعي، فوجود القضاء وإعطاؤه مهمة الفصل في المنازعات وتطبيق حكم القانون علي هذه المنازعات يفرض عليه واجب تفسير القانون، وبيان حكمه فيما يعرض أمامه من منازعات، فإذا قام التعارض بين قانون معين وقانون آخر وجب علي القاضي أن يعمل قواعد التفسير المعروفة وأن يعد القانون الأحدث ناسخًا للقانون الأقدم فيما يقوم بينهما من تعارض في الأحكام، كما يجب علي القاضي أيضًا أن يغلب حكم القانون الأعلى علي حكم القانون الأدنى في سلم التدرج الهرمي للنظام القانوني في الدولة، وبذلك يكون علي القاضي واجب إعمال حكم الدستور وإهدار حكم القانون العادي الصادر من السلطة التشريعية العادية إذا ما تضمن مخالفة لأحكام الدستور.
فالرقابة عن طريق الدفع الفرعي لا تكون بطلب إلغاء القانون، بمعنى أنها لا تتخذ شكلًا هجوميًا كما هو الحال في الرقابة عن طريق الدعوى الأصلية وإنما تتخذ شكلًا دفاعيًا، بمعنى أن صاحب المصلحة في عدم العمل بالقانون غير الدستوري لا يطعن عليه بعدم الدستورية بطريق مباشر وإنما يطعن فيه بطريق غير مباشر بمناسبة دعوى قائمة.
والجدير بالذكر أن أحكام القضاء الإداري المصري وأحكام المحاكم العادية استقرت على حق المحاكم في بحث دستورية القوانين متى دفع أمامها بمخالفتها للدستور، وذلك منذ صدور حكم محكمة القضاء الإداري بتاريخ 10 فبراير سنة 1948والذي قرر هذا الحق.
فإذا ما تبين لإحدى هذه المحاكم علي اختلاف درجاتها وأنواعها أن هناك قانونًا، دفع أمامها بأنه غير دستوري فإن من حقها أن تمتنع عن تطبيق هذا القانون المخالف للدستور، وذلك دون تعرضها للقانون ذاته، فحق المحاكم في الرقابة علي الدستورية اقتصر علي الاعتراف للقاضي بالحق في الامتناع عن تطبيق القانون غير الدستوري دون أن يتعدى ذلك الحد، أي أن القاضي لا يتعرض لوجود القانون ذاته بل يقتصر علي عدم

تعديل الدستور: يقصد بتعديل الدستور إضافة حكم أو أحكام جديدة إلي الدستور أو حذف حكم أو أحكام قائمة في الدستور، وهذا يعني أن تعديل الدستور يكون بالإضافة أو الحذف، فهما قيل في الرغبة في تحقيق الاستقرار والثبات للقواعد الدستورية، ومهما قيل في مشروعية هذه الرغبة، فإن النظام القانوني للدولة لا يمكن أن يرنوا إلي الثبات المطلق.
فتعديل الدستور ضرورة قانونية وسياسية في نفس الوقت: فمن ناحية فإن الدستور قانون، والقانون بطبيعته يقبل التعديل في كل وقته، ومن ناحية أخرى فتعديل الدستور ضرورة من الناحية السياسية والواقعية، ذلك لأن الدستور يضع القواعد الأساسية للدولة وفقًا لأوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقت صدوره، هذه الأوضاع بطبيعة الحال تتطور و تتعدل من وقت لآخر وبالتالي لا يمكن تجميد نصوص الدستور تجميدًا أبديًا، بل يلزم تعديل هذه النصوص بصفة دائمة حتى تتطابق وتتلاءم مع التغييرات التي تطرأ علي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الدولة، فمبدأ الجمود المطلق للدستور يتنافى مع مبدأ سيادة الأمة.
أولًا: الجهات أو السلطات التي تتولى التعديل:
يميز الفقه الدستوري بين ما يسمى بالسلطة التأسيسية الأصلية أو المنشئة، والسلطة التأسيسية المنشقة أو المنشأة، وإن كان هناك قاسمًا مشتركًا بينهما وهو أن كلًا منهما يتمتع بصفة التأسيسية بمعنى أن كلتهما تعملان في المجال الدستوري فهما يختصان بوضع قواعد دستورية تتصل بنظام الحكم، إلا أن هناك فروقًا تتمثل في مهمة وضع الدستور، فبالنسبة للسلطة التأسيسية الأصلية لا تنظمها نصوص خاصة ولا تتلقى اختصاصًا من نصوص موجودة، فهي تتدخل في وقت لا يكون بالدولة نصوص دستورية قائمة وتقوم هي في هذه الحالة بوضع دستور جديد للدولة.
وتختلف هذه السلطة التأسيسية الأصلية باختلاف النظام السياسي الحاكم: فقد تتمثل في الحاكم (الملك) إذا ما صدر الدستور في شكل منحة، وقد تتمثل في الحاكم والشعب إذا ما صدر الدستور في شكل عقد بين الحاكم والشعب، وقد تتمثل في الشعب وحده إذا ما صدر الدستور من الشعب وحده في صورة الجمعية التأسيسية المنتخبة أو في صورة الاستفتاء الدستوري.
وتتدخل هذه السلطة التأسيسية الأصلية لوضع دستور جديد للدولة في حالتين:
الأولى: عند ميلاد أو نشأة دولة جديدة أو عند حصولها علي استقلالها.

الثانية: عندما ينهار النظام السياسي المطبق بالدولة في أعقاب ثورة أو انقلاب ففي هذه الحالة يسقط الدستور الجديد نهائيًا وتظهر الحاجة إلي وضع دستور جديد.
ويضيف البعض حالة ثالثة وهى: حالة دولة قائمة لها دستور نافذ ومطبق وبدون أن تحدث ثورة أو انقلاب تقرر السلطة التأسيسية الأصلية أن الظروف قد تغيرت وأن الواقع السياسي يتطلب تغييرًا في نظام الحكم والأيدلوجية الفكرية للمجتمع وتقوم هذه السلطة بوضع دستور جديد يحل محل الدستور القائم الذي لم يعد ملائمًا للتطور السياسي والاجتماعي.
فدستور سنة 1946 في فرنسا (دستور الجمهورية الرابعة)،لم يأت عقب ثورة أو انقلاب وإنما جاء عقب تحرير فرنسا في نهاية الحرب العالمية الثانية، ووجود رغبة صادقة من الشعب صاحب السلطة التأسيسية الأصلية، ولذلك فقد تم وضعه وإقراره باستفتاء شعبي.
فالسلطة التأسيسية الأصلية هي التي تضع دستور الدولة، وهي صاحبة السيادة العليا في المجتمع، ولأن دستور الدولة هو الذي ينظم الحكم أي يضع أسلوب هذا الحكم والسلطات الحاكمة وحدود اختصاصاتها، ولذلك فهي أعلى سلطة علي الإطلاق في كل دولة، أعلى من السلطة التأسيسية المنشأة التي تتولى مجرد التعديل الجزئي للدستور.
فالسلطة التأسيسية الأصلية هي التي تضع الدستور كله، والسلطة التأسيسية المنشأة حينما تعدل الدستور فهي تعمل وفق الإجراءات والقيود التي فرضتها السلطة التأسيسية الأصلية ذاتها في النص الدستوري الخاص بإجراءات التعديل، ولذلك فالسلطة التأسيسية المنشأة هي سلطة تابعة ومحكومة إزاء السلطة التأسيسية الأصلية.
وهكذا فإن السلطة التأسيسية المنشأة هي التي يناط بها مهمة تعديل الدستور، طبقًا لنصوص دستورية قائمة وتمنح اختصاصًا محددًا بمقتضاها.
وإذا كانت السلطة التأسيسية المنشأة تتقيد عند تعديلها للدستور بالإجراءات التي أوجبها الدستور ذاته لإجراء التعديل فإن السلطة التأسيسية المنشئة ذاتها لا يوجد من يقيدها داخل الدولة باستثناء وحيد يتمثل في مبادئ الشريعة الإسلامية، وذلك إذا كانت هي المصدر الرئيسي للتشريع في دولة إسلامية كما هو الحال في مصر.
وبعد هذا التنويه، يتعين علينا بيان السلطات المنشأة المناط بها تعديل الدستور وهي:-
البرلمان الجمعية التأسيسية الاستفتاء الشعبي
البرلمان:
تكتفي بعض الدساتير، تيسيرًا للتعديل ودون إخلال بواجب تحقيق بعض الاستقرار والثبات للقواعد الدستورية، بجعل التعديل من اختصاص السلطة التشريعية (البرلمان) مع إتباع إجراءات خاصة مغايرة للإجراءات التي يتم بها تعديل القوانين العادية، وهذه الإجراءات الخاصة تتخذ صورًا متعددة:-
فقد يقرر الدستور أن يقوم بتعديله نفس أعضاء الهيئة التشريعية مع تغيير في الطريقة القانونية لتشكيلها، فإذا كانت السلطة التشريعية مكونة من مجلسين، فإن الدستور يستطيع أن يجعل تعديل الدستور من اختصاص أعضاء هذين المجلسين مجتمعين معًا بدلًا من جعل كل مجلس يجتمع منفردًا كما هو الشأن عندما يمارس البرلمان سلطاته التشريعية العادية.
ومن الممكن أن يكون التعديل من اختصاص السلطة التشريعية العادية ولكن باشتراط أغلبية خاصة.
ويجوز عدم الاكتفاء بأغلبية خاصة من أعضاء الهيئة التشريعية لإمكان التعديل، بل تتقرر فوق ذلك عدة إجراءات خاصة تختلف عن الإجراءات التي تصدر وتعدل بها القوانين العادية وذلك في شأن كيفية دراسة ومناقشة الاقتراح.
وقد يذهب الدستور إلي أبعد من ذلك فيتطلب ضرورة انتخاب مجلس جديد يباشر مهمة التعديل.
الجمعية التأسيسية: فقد تلجأ بعض الدساتير إلي منح السلطة التأسيسية المنشأة إلي جمعية تأسيسية يتم انتخابها خصيصًا لإجراء التعديل، وقد لاقت هذه الوسيلة انتشارًا واسعًا فأخذت بها أغلبية دساتير الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
الاستفتاء الشعبي:
فقد تتطلب بعض الدساتير ضرورة موافقة الشعب ذاته علي التعديل حتى يصبح نافذًا، وفي هذه الحالة يقوم البرلمان أو جمعية تأسيسية بإعداد مشروع التعديل ثم يتم طرح هذا المشروع علي الشعب للموافقة عليه.
والهيئات أو السلطات التي تحتكر حق اقتراح تعديل الدستور تكتسب سلطة قوية ومركزًا متينًا في مواجهة غيرها من السلطات العامة في الدولة، ولذلك اختلفت الحلول في شأن تحديد الجهة أو الجهات المختصة باقتراح التعديل حسبما إذا كان الاتجاه السائد نحو تغليب هذه الهيئة أو تلك من الهيئات.
فإذا كان الدستور يجعل الغلبة للسلطة التنفيذية في الدولة، فإنه يجعل اقتراح التعديل من اختصاص هذه السلطة وحدها.
وقد يجعل الدستور الغلبة للسلطة التشريعية، فيجعلها وحدها مختصة باقتراح إجراء التعديل.
وقد يقف الدستور موقفًا وسطًا، إذ يجعل حق الاقتراح من اختصاص رئيس السلطة التنفيذية والبرلمان معًا، وهذا هو الحل الذي اعتنقته دساتير مصر المختلفة ومنها بالطبع دستور سنة 1971.
ويجوز، أخيرًا جعل اقتراح التعديل حقًا لأفراد الشعب، فينص الدستور علي أن اقتراح تعديل الدستور يجوز أن يكون موقعًا من عدد معين من أفراد الشعب.
ثانيًا: إجراءات التعديل:-
تختلف الدساتير المطبقة داخل الدول فيما بينها بخصوص القواعد الإجرائية أو الشكلية التي يتعين إتباعها لإجراء التعديلات الدستورية اللازمة وذلك تبعًا لاختلاف أنظمة الحكم السائدة داخل هذه الدول.
وجدير بالذكر أن هذه الدساتير قد تأخذ بمبدأ توازي أو تقابل الأشكال، ومقتضى تطبيق هذا المبدأ أن دستورًا لا يجوز تعديله إلا من جانب سلطة يتم تكوينها علي غرار السلطة التي قامت بوضعه، وبإتباع ذات الإجراءات والأشكال التي تم إتباعها في إصداره.
وقاعدة توازي أو تقابل الأشكال وإن كانت القاعدة المنطقية والمتبعة في المجال القانوني بصفة عامة، إلا أنها لا تجد متسعًا لتطبيقها في غير حالة الأخذ بأسلوب الاستفتاء الدستوري نظرًا لما تؤدي إليه من شدة في التعقيد، لذلك يعزف مشرعو الدساتير عن تطبيق هذه القاعدة فينيطون أمر تعديل الدساتير إلي المجالس التشريعية العادية مع وجوب إتباع إجراءات خاصة متمايزة عن تلك التي تتبع في تعديل القوانين العادية.
إلا أنه يمكن حصر المراحل التي يمر بها أي تعديل دستوري في أربع مراحل وهي:-
1-اقتراح التعديل 2-إقرار مبدأ التعديل 3-إعداد وتحضير التعديل 4-إقرار التعديل بشكل نهائي.
1-مرحلة اقتراح التعديل:-
حق اقتراح التعديل قد يتقرر للحكومة وحدها، وقد يتقرر هذا الحق للحكومة والبرلمان معًا، وقد يتقرر هذا الحق للشعب ذاته.
2-تقرير مبدأ التعديل:-
تلجأ معظم الدساتير إلي منح البرلمان سلطة إقرار مبدأ التعديل، فيكون له سلطة البت فيما إذا كان هناك محل لإجراء التعديل من عدمه أي ضرورة تعديله أو عدم تعديله، علي أن بعض الدساتير قد تتطلب فضلًا عن موافقة البرلمان علي مبدأ التعديل موافقة الشعب.
3-إعداد التعديل:-
هذا الإعداد قد يعهد به إلي هيئة منتخبة خاصة يتم انتخاب أعضائها لهذا الغرض، وإن كانت بعض الدساتير -وهي قليلة- تعهد إلي الحكومة بإعداد وضع مشروع التعديل، علي أن معظم الدساتير قد تعهد بمهمة إعداد التعديل إلي البرلمان القائم مع تطلب بعض الشروط الخاصة مثل:
اجتماع مجلس البرلمان في هيئة مؤتمر (إذا كان البرلمان يتكون من مجلسين) بدلًا من اجتماع كل مجلس علي حدة كما في حالة سن القوانين العادية.
اشتراط نسبة خاصة في الحضور لصحة جلسات البرلمان أو في التصويت لصحة القرارات الصادرة منه.
حل البرلمان وإجراء الانتخابات لتشكيل برلمان جديد يتولى مهمة التعديل.
4-إقرار التعديل بصفة نهائية:
ومهمة الإقرار النهائي للتعديل يتم إسنادها عادة إلي البرلمان أو إلي الهيئة الخاصة التي تولت الوضع والإعداد وهذه هي الحال في أغلب الدساتير.
غير أن هناك بعض الدساتير تنص علي إسناد هذه المهمة إلي الشعب وذلك عن طريق الاستفتاء الدستوري فإذا ما تمت الموافقة الشعبية، اعتبر الدستور نافذًا من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء.
ثالثًا: نطاق التعديل:-
يكاد يجمع الفقه الدستوري علي أنه من غير المقبول تقرير “الجمود المطلق” للدساتير، ذلك الجمود الذي بمقتضاه لا يمكن تعديل الدستور في أية حالة فمن الحقائق الثابتة والمسلم بها أن النظام الدستوري لأية دولة لا يمكن أن يصل إلي درجة الثبات المطلق مهما كان حرص واضعي الدساتير علي تجميدها، فالنظام الدستوري لابد وأن يساير قانون التطور المستمر.
كذلك فإن النص في الدستور علي الجمود المطلق يتعارض مع مبدأ سيادة الأمة، وهي السيادة التي لا تقبل النزول والتي لا يسمح معها لجيل معين أن يفرض دستوره علي الأجيال التالية، مع حرمان هذه الأجيال الأخيرة من حقها في تعديل الدستور، وهو الأمر الذي يستوجب القول بإجازة “الجمود النسبي”.
وإذا كان من النادر أن تنص الدساتير علي حظر تعديلها تعديلًا مطلقًا وأبديًا بشكل دائم، فإن البعض منها قد ينص علي حظر التعديل (تعديل الدستور كله) خلال مدة معينة (وهو ما يسمى بالحظر الزمني) أو حظر تعديل بعض أحكامه بصفة مطلقة (وهو ما يسمى بالحظر الموضوعي).

طرق انتهاء الدساتير:

يقصد بانتهاء الدستور الإلغاء الشامل والكلي لجميع نصوصه وذلك دون الوقوف عند حد تعديلها تعديلًا جزئيًا.
ويتم إلغاء الدستور عادة، بسبب تغير الظروف والأوضاع السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية التي استوجبت وجود الدستور، مع عدم كفاية “التعديل الجزئي” لتحقيق مقتضيات التغيير، عندئذ تتسع الفجوة بين النصوص القانونية وواقعها التطبيقي، وتبدو الحاجة إلي إنهاء العمل بالدستور وإلغائه والاستعاضة عنه بدستور جديد.
وفي هذا الصدد ينبغي أن نشير إلي الآتي:-
أن غالبية الدساتير تخلو من النص علي إلغائها وكيفية الإلغاء، وإن كانت علي العكس تنص عادة علي كيفية التعديل الجزئي وتحديد السلطة المختصة بإجراء هذا التعديل.
عدم زوال أي دستور لمجرد عدم تطبيقه، بمعنى أن جريان الجهات الحاكمة علي عدم تطبيق دستور معين مدة معينة وإن طالت رغم توافر ظروف انطباقه (وهذا ما يسمى بالعرف الدستوري السلبي) أو العرف القائم علي عدم الاستعمال، هذا الجريان لا يمكن أن يؤدي بوجه عام إلي إلغاء الدستور بأي حال من الأحوال.
يظهر من استقراء التجارب الدستورية بصدد إلغاء الدساتير إلغاءً شاملًا أن هناك أسلوبين لانتهاء الدساتير: الأول الأسلوب العادي، والثاني الأسلوب غير العادي.
أولًا: الأسلوب العادي لانتهاء الدساتير:-
يقصد بالأسلوب العادي لانتهاء الدساتير إلغاء الدستور وانتهاء العمل به بهدوء وبغير عنف والاستعاضة عنه بدستور جديد،أي إلغاء الدستور بالطرق الدستورية المقررة أي تعديلها تعديلًا كليًا، مع العلم بأن الدساتير المطبقة داخل أغلب الدول المعاصرة تخلو من النص علي التعديل الكلي.
وهذا الإلغاء الكلي بالطريق العادي لا يثير صعوبة بالنسبة للدساتير المرنة، فإلغاؤها أو تعديلها جزئيًا يكون عن طريق نفس السلطة وذات الإجراءات المتبعة في شأن تعديل وإلغاء القوانين العادية.
أما الدساتير الجامدة فإنها تلغى بإجراءات خاصة تختلف عن إجراءات إلغاء القوانين العادية فهذه الدساتير عندما تنص علي طريقة تعديلها تعديلًا كليًا، تحدد السلطة المختصة بذلك والإجراءات القانونية الواجب إتباعها في هذا الخصوص.
ويري غالبية الفقه أن التعديل الشامل منوط بالأمة وحدها، في النظم الديمقراطية باعتبارها صاحبة السلطة التأسيسية الأصلية، فالأمة وحدها التي تستطيع أن تضع دستورًا جديدًا يساير تطور البيئة وما يحيط بالمجتمع من ظروف تدفع للتغيير.
غير أنه ليس من الضروري أن يتم وضع الدستور الجديد، بعد إلغاء الدستور القديم، بواسطة نفس السلطة التأسيسية التي قامت أصلًا بوضع الدستور.
ويجدر التنويه إلي أن:-
أن الدستور الجديد قد ينص صراحة علي إلغاء الدستور، كما أن هذا الإلغاء يمكن أن يتم بطريقة ضمنية وذلك عندما تتعارض أو تتنافر الأفكار أو الفلسفات التي يقوم عليها الدستور الجديد مع تلك التي يقوم عليها الدستور القديم، وعندما يتناول الدستور الجديد كافة الموضوعات التي تضمنها الدستور القديم بالتنظيم.
بالنسبة للدساتير العرفية، فإن العمل ينتهي بها بنفس أسلوب نشأتها بمعنى أنه يكفي أن تنشأ أعراف دستورية مخالفة للأعراف المستقرة أو أن يصدر قانون عادي من السلطة المختصة بإلغاء هذه الأعراف.
ثانيًا: الأسلوب غير العادي لانتهاء الدساتير (الأسلوب الثوري):-
يقصد بالأسلوب غير العادي لانتهاء الدساتير، إنهاء العمل بالدساتير أو إلغاؤها عن طريق الثورة أو الانقلاب، أي إنهاؤها بالطريق الفعلي لا بالطريق القانوني.
وهناك معايير مختلفة للتمييز بين الثورة والانقلاب أهمها ما يأتي:-
الهيئة التي تقم بالنشاط الثوري: فالثورة تصدر عن الشعب وتنبثق منه أما الانقلاب فيصدر عن السلطة الحاكمة أو طائفة معينة.
الهدف من وراء الحركة أو الذي قام بالحركة: فالثورة يقصد منها تغيير النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الدولة وإحلال نظام جديد محله، أما الانقلاب فالهدف منه هو مجرد الاستئثار بالسلطة دون تغيير النظام القانوني السائد في الدولة.
وتبعًا لذلك فإن الثورة تهدف إلي صالح الجماعة بأسرها، أما الانقلاب فيهدف إلي صالح الفرد أو الجماعة التي قامت به عن طريق الاستيلاء علي السلطة بطريق غير شرعي، وقد يتحول الانقلاب إلي ثورة شعبية إذا حصل علي تأييد شعبي.
أثر الثورة علي الدستور القائم والقوانين العادية المطبقة:-
إذا لم تنجح الثورة، فلا تأثير لها علي النظام السياسي القائم ولا علي الدستور والقوانين المطبقة وذلك أيًا كان نبل وسمو الأغراض التي قامت هذه الثورة من أجل تحقيقها.
أما إذا نجحت الثورة فوفقًا للرأي الغالب في الفقه أن نجاحها يؤدي علي الفور إلي سقوط الدستور القائم متى تعارضت أحكامه مع الأهداف المبتغاه من قيام الثورة، وذلك منذ اللحظة التي تستقر فيها حكومة واقعية (حكومة الثورة) محل الحكومة القانونية.

ديباجة الدستور وقيمتها القانونية: “مقدمة الدستور”
هي مقدمات الدساتير ويراد بها تلك التي تتصدر الدساتير عادة، بعيدة عن المواد التي تتضمنها هذه الدساتير وتشير عمومًا إلي أبرز معالم المجتمع ومبادئه وقيمه ومعتقداته.
القيمة القانونية لمقدمات الدساتير:
قد اختلف الرأي في تحديد القيمة القانونية لمقدمات الدساتير وذلك علي النحو الآتي:-
1- فالبعض من الفقهاء يجعل لما تتضمنه هذه المقدمات قيمة قانونية وقوة إلزامية تفوق في المرتبة قيمة النصوص الدستورية وقوتها، فهذه المقدمات والوثائق تحتوي علي المبادئ الدستورية الأساسية التي تلتزم السلطات المؤسسة والسلطات المؤسسة (المشتقة) باحترامها، لأنها التعبير الصادق عن حقوق الإنسان من جانب الإرادة العليا للأمة.
2-والبعض يرى هذه المقدمات أجزاء لا تتجزأ من النصوص الدستورية وبالتالي يسندون لها نفس القيمة المقررة لهذه النصوص الدستورية فهذه الأخيرة تعبر عن إرادة السلطة التأسيسية التي صدرت عنها.
وهذه المقدمات يتبع في وضعها نفس الإجراءات التي تتبع في وضع النصوص الدستورية الواردة في صلب الدستور وتمر بنفس المراحل التي تمر بها النصوص الدستورية عند وضعها وصياغتها وتصدر عن نفس الجهة أو الهيئة التي تقوم بوضع الدستور.
3-ومن الفقهاء من يسوي بين مقدمات الدساتير، مثل إعلانات الحقوق والمواثيق، وبين نصوص التشريعات العادية سواء في القيمة أو القوة، وذلك استنادًا إلي عدم ورود هذه المضامين في أصلاب الدساتير.
4-ومنهم من يجعل لهذه المقدمات وغيرها من المواثيق المشابهة قيمة قانونية وقوة ملزمة تنبثق من انطوائها علي مبادئ تدخل ضمن المبادئ العرفية أو المبادئ القانونية العامة.
5-ومنهم من ينكر كل قيمة قانونية علي هذه المقدمات والوثائق المشابهة لها وذلك أنها –في نظرهم- لا تتضمن في نظرهم أية قواعد قانونية، وتقتصر فقط علي إظهار بعض المعتقدات السياسية أو الأفكار الفلسفية أو المذاهب الاجتماعية أو المبادئ الاقتصادية.
6-ومن الفقهاء من يذهب إلي القول بانقسام مقدمات الدساتير مثل إعلانات الحقوق وغيرها من الوثائق إلي قسمين:
قسم لا يتضمن أية قواعد قانونية بمعناها الفني، لأنه يقتصر علي الإشارة إلي بعض الأهداف القومية أو المثل الفلسفية أو المعتقدات السياسية.
وقسم آخر يتضمن تقرير بعض القواعد القانونية فتكون لها بالتالي قيمة قانونية وقوة إلزامية، غير أن القائلين بهذا الرأي يقفون عند هذا الحد، فلا يحددون المرتبة التي تحتلها مثل هذه المقدمات بالنسبة لمرتبة النصوص الدستورية.
بينما يعنى البعض الآخر بتحديد هذه المرتبة فيجعلون للقواعد القانونية الواردة في مقدمات الدساتير مرتبة تعلو مرتبة النصوص الدستورية وذلك علي النحو الذي يجعلها ملزمة للسلطات المؤسسة والسلطات المؤسسة في وقت واحد معًا، ويستندون في ذلك إلي أن هذه القواعد تعد تعبيرًا عن المبادئ الأساسية التي استقرت في الضمير الإنساني العالمي، فتكتسب بالتالي قوة الإلزام حتى ولو لم تظفر بنصوص صريحة.
ومن جانبنا، فإننا نتفق مع الرأي القائل بأن مقدمات الدساتير تكتسب نفس القيمة القانونية التي للنصوص الدستورية الواردة في صلب الدستور، وذلك انطلاقًا من أنها صادرة عن نفس الهيئة ويتبع في وضعها نفس الإجراءات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.